تتفرع مجالات القراءة لأفرع متعددة منها الكبير ومنها الصغير، ومن أكبر فروع القراءة هو قراءة التاريخ، يهاب البعض القراءة في ذلك الفرع ظنًا منهم أنه سيكون بحرًا لا شاطئ له لكن ذلك غير دقيقًا، فيمكن دائمًا قراءة التاريخ والغوص به والخروج بما يضيف لمعرفة الفرد ويثريها.
قال ابن خلدون عن التاريخ في مقدمته: إن التاريخ – في ظاهره – لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى. تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غّصها الاحتفال. وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال. وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظرٌ وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعِلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة وعريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق.
يعرض بعض الناس عن التاريخ لما نشأنا عليه من دراسية تاريخًا جامدًا ليتم اختبارنا فيه، لكن القراءة الحرة في التاريخ شيئًا آخر ولها فوائد عدة من ضمنها:
– معرفة تاريخ الأمة التي نعيش بها، فمعرفة السياق التاريخي يعطينا صورة واضحة عن المكان الذي جئنا منه، وكيف تشكل المجتمع الذي نعيش فيه وما أثر عليه بالسلب وبالإيجاب خلال تاريخه، ومعرفة ذلك تعطينا توقعًا مسبقًا عما سيكون عليه العالم الذي نعيش به وتأثير توجهاتنا المختلفة عليه.
– معرفة تاريخ الأمم الأخرى التي تعيش معنا في هذا العالم، بمعرفة تاريخ الأمم غيرنا سنعرف كيف نشأت تلك الأمم أيضًا وما الذي مرت به خلال تاريخها الخاص وذلك يعطينا معرفة بالاحتمالات الأخرى التي قد تحدث لنا إن سلكنا مسالك تلك الأمم، وتعلمنا قراءة التاريخ أيضًا كيف يكون احتكاكنا بتلك الأمم وتأثيره علينا عبر التاريخ. على الناحية الشخصية يعطينا التاريخ حيوات عدة، قادة ومناضلين وساسة ورائدون وأغبياء أيضًا، وذلك يوفرلنا سياقات مختلفة للتفكير في مناحي الحياة المختلفة وما قد نتعلمه من القراءة عن حيوات الاخرين، فنقتفي الأثر أو ونتجنب الأخطاء التي سبق ووقع فيها غيرنا وكتب عنها.
– توقع ما سيأتي بالاطلاع على ما قد سبق، بوجود نية في الانتاج او خلق شيء ما لا يمكنك الابتداء بالتجربة العمياء فبذلك تخسر وقتًا وجهدًا، أما بقراءة التاريخ يصبح لديك تجارب يمكنك القياس عليها قبل البداية في العمل وذلك ضروريًا إن كنت تنوي الجدية في مقصدك وعدم التشتت واضاعة الموارد هباءًا أمام تجارب قام بها الكثير عبر التاريخ من قبلك، وعن طريق تجاربهم يمكنك قياس نتائج تجاربك بشكل مسبق وحساب جدواها.
قد يتيه البعض في البداية، ويجدوا الأمر لا بداية له ولا نهاية ويسبب ذلك الاحباط، لكن يمكنك دائمًا اتباع طرق يسيرة في قراءة التاريخ، قد تكون البداية هي الروايات التاريخية، أو كتب التاريخ الاجتماعي، أو الكتب المبسطة التي تجمع أعلام الأحداث في عصر ما مع مقدمة وجيزه عنه، وبالقراءة اليسيرة سينشط الاهتمام في سياق ما وستجد نفسك تعرف طريقك جيدًا بعد ذلك، ومن الكتب التي نرشحها كبداية:
– كتب ريم البسيوني، وهي كاتبة مصرية معنية بالكتابة في التاريخ عن عصور مختلفة مثل كتابها “أولاد الناس: ثلاثية المماليك” والحلواني: ثلاثية الفاطميين” و”القطائع: ثلاثية ابن طولون”
– كتب صلاح عيسى، وهو كاتب مصري يهتم دائمًا في كتابته بالتاريخ الاجتماعي، من كتبه “صك المؤامرة” و “أفيون وبنادق” و “هوامش المقريزي” و”رجال مرج دابق”
– كتب البروفيسور والباحث خالد فهمي مثل كتاب “كل رجال الباشا” وكتاب “السعي إلى العدالة”
– وإن كنت مهتمًا بالتاريخ المصري القديم نرشح لك كتاب “ابناء نوت وأساطير أخرى” للكاتب والمترجم محمد أ. جمال الذي يسعطيك فكرة كاملة عن الاساطير المصرية القديمة والعبادات وبالتالي معرفة عامة. في ما كان يعتقد المصريين القدماء وتأثير ذلك على حياتهم.
أي بداية ستكون مناسبة لقراءة التاريخ إن كنت مهتمًا بالقدر الكافي، وتذكر جيدًا أن من لا يعرف أمسه لا يرى غده