قد تختلف كثيرًا ذائقتنا في القراءة في العصر الحالي، فهناك الكثير من التيارات المجددة التي تظهر بسرعة مماثلة لسرعة العصر الذي نعيش به، في الأزمنة السابقة كانت تبرز المدارس الأدبية في تباعد زمني واضح ويكون هناك مستثيرات واضحة لتغير الاتجاه الأدبي، قد تكون تلك المستثيرات حروبًا وقد تكون ضجرًا من اتجاه زمن سابق، لكننا الآن نعيش في عالم حديث لا يحده فترات زمنية متباعدة أو أحداث جسام، فطبيعة العصر التي نعيش به قائمة على سرعة الانتاج في كل شيء حتى في الكتابة الأدبية، ونحن نعاصر تعددية لم تكن موجودة من قبل، هناك المئات من دور النشر التي تنتج كتبًا لآلاف الكتاب الذين لا يجتمعون على جانب واحد من التاريخ كسابقيهم، ولكن بالرغم من التعددية الضخمة التي نعيش بها لا تزال الأعمال الكلاسيكية لها ذات المكانة التي لا تتغير بتغير الأزمنة السريع الذي نعيش به.
ما هي الأعمال الكلاسيكية؟
هي الأعمال التي تعيش للتجاوز زمنها وتصمد أمام العوالم الجديدة التي يتجه إليها الأدب، قد تكون بقدم الاساطير اليونانية والفرعونية وقد تكون على بعد عشرات السنين منها لكنها اكتسبت تلك المكانة بتجاوزها للزمن التي كتبت فيه وصمودها كنتاج أدبي ثري نرجع إليه بالقراءة المتكررة وفي كل مرة نخرج بنتاج أكثر عمقًا وتأثيرًا من سابقه.
ما الفائدة من قراءة الأعمال الكلاسيكية؟
– لا يعيش الانسان بطبيعته بدون سياق تاريخي يحتويه، وان استندنا في قراءتنا ومعرفتنا فقط على الاعمال المعاصرة سنفقد الكثير من الخلفية التي ننحدر منها وبالتالي لن تكون لدينا قدرة حقيقية لقراءة واقعنا، فواقعنا في ذاته قائم على واقع سابق له علينا الالمام به لنعرف ما نواجهه الآن.
– الأعمال الكلاسيكية مرآة لمجتمعات سابقة واجهت الكثير مما نواجهه، وبالقراءة نستطيع الخروج باستنتاجات ومعرفة تساعدنا على قراءة مجتمعنا الحالي من الناحية الاجتماعية لا التاريخية فقط.
في كل مجالات المعرفة هناك افكار مؤسسة تبنى عليها المعرفة التالية وقراءة الاعمال الكلاسيكية تعد إلمام بتلك الأفكا رمن الناحية الأدبية وبالتالي يكون لدينا ما نبني عليه افكارنا الحداثية الحالية دون الوقوع في نفس الاخطاء التي قد يكون وقع بها أناس قبلنا.
– التعرف على اللغة في صورتها البكر، فاللغات مثل كل شيء تتغير وتتحول بتغير الزمن، ولكن الأعمال الكلاسيكية تحفظ لنا اللغة في صورتها البكر التي بالاطلاع عليها تتعمق معرفتنا بالللغة الحالية والمؤثرات التي غيرتها لتلك الصورة التي نستهلكها اليوم.
أعمال كلاسيكية نرجع إليها:
“ألف ليلة وليلة”
تعد من أهم الأعمال الكلاسيكية العالمية رغم بزوغها في الشرق ولكنها امتدت للعالم كله كأيقونة للكتابة الكلاسيكية التي تكشف أحوال البلاد والعباد في فترة زمنية ما عن طريق الحكي القصصي، نقرأ ألف ليلة وليلة ككل أو نقرأ قصص منها أو نشاهد أعمال فنية مأخوذة عنها وتبقى بنفس سحرها الأول بل يضاف إليها بتكرار القراءة استنتاجات أكبر وأعمق لذلك العالم.
“سارة” لعباس محمود العقاد
هي الرواية الوحيدة لرائد من رواد الكتاب العرب وهو عباس محمود العقاد وتعد من أوائل الروايات العربية التي فتحت الباب للتوسع في هذا النوع من الكتابة القصصية. في الرواية يسجل في سياق أدبي تجارب عاطفية شديدة العمق والتأثير الممتد لتلك التجارب.
“دعاء الكروان” لطه حسين
يعد طه حسين من أكبر رموز الثقافة العربية، تتنوع أعماله لتشتمل عدة مجالات ثقافية يلم بها جميعها دون تقصير، فبجانب كتبه في الإسلام مثل “الشيخان” و”الفتنة الكبرى” والوعد الحق” له اسهامات كبرى في النقد مثل كتاب “في الشعر الجاهلي” وله في الرواية تأثير كبير بكتابته رواية “دعاء الكروان” التي تعد من أوائل الروايات التي ألمت بقضية درامية توضح الفارق ما بين الطبقة الارستقراطية وغيرها في مصر وكيف تتفاعل تلك الطبقات مع بعضها البعض باختلاف منظومتها الأخلاقية.
“الحرب والسلام” للأديب الروسي ليو تولستوي
وتُعد واحدة من أعظم الأعمال الأدبية في التاريخ. يتتبع بها تولستوي حياة مجموعة من الشخصيات الروسية النبيلة خلال الفترة الزمنية للحروب النابليونية في بداية القرن التاسع عشر. تجمع الرواية بين سرد الأحداث التاريخية والتحليل النفسي للشخصيات، مما يقدم رؤية شاملة للمجتمع الروسي في تلك الفترة. تتناول الرواية موضوعات الحرب، السلام، الحب، العائلة، والقدر، وتطرح تساؤلات عميقة حول معنى الحياة والإنسانية.
“البؤساء” لفيكتور هوجو
هذه الرواية من أعظم الأعمال الأدبية في التاريخ، حيث تتناول مجموعة من القضايا الاجتماعية والإنسانية العميقة. تدور أحداث الرواية حول حياة جان فالجان، الذي يُسجن لمدة تسعة عشر عامًا بسبب سرقته قطعة خبز لإطعام أطفال جائعين. بعد إطلاق سراحه، يسعى إلى تغيير حياته والتكفير عن ماضيه. تُسلط الرواية الضوء على الفقر، الظلم الاجتماعي، والروح الإنسانية في مواجهة الصعاب، كما تقدم نقدًا لاذعًا للنظام القضائي والاجتماعي في فرنسا في القرن التاسع عشر.